محمد بن جرير الطبري
196
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولم أسمع بأرجس من رجال * أرادوا العز فانتهكوا حرامك جروا جموع بلادهم * الفيل كي يسبوا عيالك ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة ، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال ، فتحرزوا فيها ، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها ؛ فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ، وهيأ فيله ، وعبأ جيشه ، وكان اسم الفيل محمودا ، وأبرهة مجمع لهدم البيت ، ثم الانصراف إلى اليمن . فلما وجهوا الفيل ، أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي ، حتى قام إلى حنبه ، ثم أخذ بأذنه فقال : أبرك محمود ، وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام ؛ ثم أرسل أذنه ، فبرك الفيل ، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل . وضربوا الفيل ليقوم فأبى ، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم ، فأبى ، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه ، فبزغوه بها ليقوم ، فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ، ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ، ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى مكة فبرك ، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر ، أمثال الخطاطيف ، مع كل طير ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس ، لا يصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ، ويسألون عن نفيل بن حبيب ، ليدلهم على الطريق إلى اليمن ، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته : أين المفر والإله الطالب * والأشرم المغلوب غير الغالب فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون على كل منهل ، فأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم ، فسقطت أنامله أنملة أنملة ، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدة تمث قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء ، وهو مثل فرخ الطير ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدث ، أن أول ما رأيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي بها مرار الشجر : الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة يوما ومن معه من عداد أهل اليمن ، إلى بيت الله ليهدمه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن ، فأقبلوا بفيلهم ، حتى إذا كانوا بالصفاح برك ؛ فكانوا إذا وجهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه الأرض ، وإذا وجهوه إلى بلدهم انطلق وله هرولة ، حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرا بيضا أبابيل . والأبابيل : الكثيرة ، مع كل طير ثلاثة أحجار : حجران في رجليه ، وحجر في منقاره ، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله عز وجل كعصف مأكول ؛ قال : فنجا أبو يكسوم وهو أبرهة ، فجعل كلما قدم أرضا تساقط بعض لحمه ، حتى أتى قومه ، فأخبرهم الخبر ثم هلك . وقوله : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ يعني تعالى ذكره : فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراثته ، فيبس وتفرقت أجزاؤه ؛ شبه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي نزلت بهم ، وتفرق آراب أبدانهم بها ، بتفرق أجزاء الروث ، الذي حدث عن أكل الزرع . وقد كان بعضهم يقول : العصف : هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة من خارج ، كهيئة الغلاف لها . ذكر من قال : عني بذلك ورق الزرع : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قال : ورق الحنطة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة